تشكّل "واحة البريمي" عمقًا تاريخيًا وإرثًا حضاريًا نابضًا بالحياة في قلب محافظة البريمي؛ فهي ليست مجرد مساحة خضراء تجود بخيراتها، بل هي مرآة تعكس عبقرية الإنسان العُماني في التكيف مع بيئته، ومحورٌ أساسي تلتقي فيه الأبعاد التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي صاغت هوية المنطقة عبر العصور. وتزخر هذه الواحة العريقة بإرثٍ ضارب في القدم؛ حيث مثّلت عبر التاريخ مركزًا استراتيجيًا ونقطة التقاء حيوية للقوافل التجارية الذاهبة والآيبة عبر شبه الجزيرة العربية، وتحيط بها معالم أثرية قائمة تشهد على مكانتها التاريخية، أبرزها حصن الحلة وحصن الخندق وبيت بحر، والتي تمثل شواهد حية على خطوط الدفاع والتحصين للأهالي والواحة قديماً ومراكز لإدارة المنطقة.وحول البُعد التاريخي والزراعي الذي تتميز به الواحة، أوضح المهندس طالب بن أحمد الجابري، وكيل فلج الصعراني، أن الواحة توفر بأشجارها الممتدة شواهد ملموسة على استمرارية النشاط الزراعي المستدام منذ مئات السنين، مما جعلها مركزاً حضارياً متميزاً في شرق شبه الجزيرة العربية. وأشار الجابري إلى أن هذا الاستقرار الحضاري ينعكس في التميز الزراعي الفريد الذي تنفرد به الواحة، والمعتمد كلياً على نظام الأفلاج الداؤودية التي تُعد هندسة عبقرية متوارثة لإدارة الموارد المائية في المناطق الجافة، حيث تضم الواحة آلاف أمهات النخيل التي تمثل العمود الفقري للغطاء النباتي، ويبرز فلج الصعراني وفلج البريمي كشرايين رئيسية تغذي المساحات الخضراء الممتدة.وأضاف الجابري أن فلج الصعراني يُعد نموذجاً استثنائياً، إذ يمتد نفق الفلج لعدة كيلومترات تحت الأرض وعلى عمق يصل في بعض أجزائه إلى أكثر من 20 متراً قبل أن يتدفق على السطح، لتجود إثر ذلك أرض الواحة بزراعة النخيل بمختلف أصنافها العُمانية العريقة كالخلاص، والفرض، والخصاب، إلى جانب أشجار الفاكهة كالموز والليمون والمانجو. كما بيّن وكيل فلج الصعراني أن الواحة شكلت ملتقى اجتماعياً وثقافياً يجمع الأهالي في مواسم الحصاد كـ "الجداد" وتوزيع مياه الأفلاج وفق السنن والأعراف العُمانية السائدة، مشيداً بالمبادرات الأهلية المستمرة لإعادة إحياء وتعميق قنوات الفلج وتنظيف ممراته السفلية لضمان استدامة تدفق المياه.وفي إطار الاهتمام المتواصل بالواحة، بيّن المهندس موسى بن سعيد العبري، مدير عام بلدية البريمي، الجهود التي يبذلها مكتب محافظة البريمي للحفاظ على الواحة وتطويرها، مؤكداً أنها تحظى برعاية خاصة تهدف إلى جعلها نموذجاً يربط أصالة الماضي بآفاق الحاضر. وأوضح العبري أن إنشاء "مشروع واحة البريمي" جاء كصورة جليّة للاهتمام المباشر من مكتب محافظة البريمي بالواحة، حيث يهدف المشروع إلى الربط بين المكونات الحديثة للمدينة والتفاصيل التاريخية للواحة، لإعادة الحياة والنشاط والحيوية إلى المنطقة الواقعة بين حصني الحلة والخندق، وتحويلها إلى مقصَد سياحي وثقافي واقتصادي يخدم المحافظة بأكملها.وكشف مدير عام بلدية البريمي عن استمرار العمل في المشروع والخطط المستقبلية الواعدة، والتي تتضمن الامتداد بالخطة المستقبلية لربط مكونات مشروع الواحة بالبيوت الطينية والتفاصيل المعمارية التراثية المحيطة بها لإبراز النمط العمراني القديم أمام الزوار والسيّاح، إلى جانب تعزيز الشراكة والتعاون المستمر بين مكتب محافظ البريمي والأهالي لتطوير وتحسين كفاءة فلجي البريمي وصعراء ضماناً لاستدامة تدفق المياه ودعم المزارعين. وأضاف أن العمل جارٍ أيضاً بالتعاون مع وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه لإدخال تقنيات الري الحديثة، بما ينعكس إيجاباً على الحركة التجارية ونمو قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.وتماشياً مع رؤية عُمان 2040، تحظى واحة البريمي بنظرة استراتيجية تهدف إلى تحويلها إلى نموذج للمدن الخضراء المستدامة؛ عبر دمج البُعد البيئي والزراعي للواحة مع المشاريع السياحية والثقافية لضمان أن تبقى رئة خضراء للمدينة، ومقصداً سياحياً يعزز الاقتصاد المحلي للمحافظة، لتظل واحة البريمي بنخيلها الباسق وأفلاجها المتدفقة نموذجاً حياً للمحافظة على التراث البيئي والثقافي بالسلطنة، ونبضاً متجدداً يروي قصة كفاح وبناء تواصلت عبر الأجيال. 